في بيعة العقبة الثانية، والظرف الأمني ظرف استثنائي بامتياز، لا مسلم يأمن فيه، لا على ماله ولا على نفسه، وضع النبي î حجر الأساس لنظام انتخابي تمثيلي، فأمر حجيج الأنصار أن يختاروا نقباءهم.
كان النبي الصادق المصدوق î وهو، غير مزاحم، الناطق باسم رب العالمين ﵟوَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ﵞ [النجم: 3-4] قادرا على أن يعمل بمنطق "حالة الطوارئ"، أحرى وهو يتمتع بصفة تمثيلية متعالية، تتيح له أن يحتكر تمثيل المؤمنين ﵟٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ ﵞ [الأحزاب: 6]. وكان بإمكانه أن يقول: إنني لست كأحد منكم، إنني مؤيد بوظيفة البلاغ الحصري عن رب العالمين، لكنه لم يفعل.
وحين جاءت وافدة النساء إليه î وهو في ملأ من أصحابه، تسأل عما لبنات آدم وحواء عند رب الرجال والنساء، كانت الوافدة تمارس وظيفة تمثيلية أقرها النبي عليه الصلاة والسلام.
وحين قال عليه الصلاة والسلام، والقوم على أبواب امتحان بدر: "أشيروا علي أيها الناس"، كان يعلن عن وظيفة أساسية من وظائف النظام التمثيلي، وقد كان بإمكانه وهو القائد المطاع أن يأمر عزما وجزما بما أراه ربه، لكنه لم يفعل.
وحين قال الحباب: "أهذا منزل أنزلكه اللـه ليس لنا أن نتقدمه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟" كانت المشورة مبادرة صاعدة لا تنتظر طلبا أو إذنا خاصا، وشرع النبي î تلك المبادرة.
وحين أشار عليه أصحابه بالخروج لأحد، وهو كاره لذلك، كانت المشورة صاعدة أيضا، وكان بإمكانه، وهو الآمر الناهي بإذن ربه، ألا يفعل، لكنه فعل ترسيخا لمشروعية المبادرة بالمشورة والعمل بها، وحتى لا يظن أحد ممن حوله أو ممن يأتون من بعده، أنه في غنى عن ذلك.
وحين قال النبي î لأصحابه: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" كان يفسح في المجال للاجتهاد البشري في شؤون الناس الدنيوية.
وحين قام الخليفة الأول خطيبا، فقال: "أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني .... أطيعوني ما أطعت اللـه ورسوله فإذا عصيت اللـه ورسوله فلا طاعة لي عليكم"، كان يؤسس، وقد انقطع الوحي، لوظيفة الرقابة الشعبية على عمل ولي الأمر، وهي وظيفة تكررت الإشارة إلى مشروعيتها في مواقف كثيرة قَبِل النبي î فيها مبدأ المساءلة، بل ودافع عنه، وهو الأمين المؤتمن والصادق المصدوق الذي علق البارئ الإيمان بطاعته والإذعان لحكمه ﵟفَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ﵞ [النساء: 65] .
ما بين تلك النصوص المحكمة وتلك "الوقائع" التاريخية ونظائرها الجمة في العهد النبوي والعهد الراشدي، انبجست روافد نظام تمثيلي يشرع اتخاذ الجماعات ممثلين لها، والتزام ولي الأمر أو إلزامه بتمكين هؤلاء "المنتخبين"/ المستشارين من ممارسة وظائفهم وفي مقدمتها المبادرة بالشورى والمبادأة بها من غير سؤال أو طلب.
لقد كتب اللـه الشورى على أفضل أنبيائه، وأغناهم بوحي ربه. ولو جاز أن تسقط عن أي ولي أمر، لسداد رأي أو قوة سلطان، لجاز من باب أولى أن تسقط عن النبي المعصوم المسدد بالوحي الطري، î، لكن اللـه خاطبه: ﵟوَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَﵞ [آل عمران: 159] ، فما كان لأحد من بعده أن يعطل هذه الوظيفة التي جعلها اللـه في حق عامة المومنين أختا لفريضتين ركنيتين، هما الصلاة التي هي عبادة متمحضة للخالق، متعلقة بالعبد في بدنه وقلبه، والزكاة التي هي عبادة متعلقة بالمال، متعدية النفع إلى العباد. وكأن في ورود الشورى مكتنفة بهاتين الفريضتين إشارة إلى أن الشورى عبادة ذات بعدين تعبديين، فهي حق للـه، وهي حق لعباد اللـه. وفي ذلك من تأكيد وجوب الشورى والاستجابة بها للـه، ما لا يخفى ﵟوَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَﵞ [الشورى: 38]. وقد قص علينا القرآن نموذجين من نماذج الشورى، أحدهما نموذج بلقيسي قاعدته: ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِﵞ [النمل: 32]. أما النموذج الآخر فهو نموذج شوروي أيضا لكنه مغشوش، إذ هو في واقع الأمر استبداد مقنع ما لبث أن سقط قناعه، فقد قال فرعون لمجلس شوراه: ﵟإِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِۦ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَﵞ [الشعراء: 34-35]. أصدر فرعون حكمه مسبقا فألغى به مقصد الاستشارة، ثم لم يلبث أن قال: ﵟمَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِﵞ [غافر: 29]، بل مضى أبعد من ذلك فقال: {أنا ربكم الأعلى}.
***
تلك صوى هادية نتلمس بها طريقا لتأصيل جوانب من الممارسة الديمقراطية المعاصرة في ظل ما أصبح يدعى "برلمانات" أو مجالس شعب/ شعبية أو مجالس أمة، أو مجالس شورى أو مجالس نواب أو أعيان أو شيوخ، أو جمعيات وطنية إلخ. ليس فقط، بل نريد أيضا أن نذكّر بعراقة النظام التمثيلي ووظائفه الأساسية في تاريخ الأمة الإسلامية. صحيح أننا استنسخنا نظما ديمقراطية وفي ظننا أن آخرين سبقونا إليها، وقد يكون ذلك حقا من حيث الشكل وبعض التطبيقات، لكنها، من حيث الجوهر، "بضاعتنا ردت إلينا"، كنا السابقين إليها قرونا قبل أن تظهر وثيقة الحقوق (1689) وكتاب "الحكومة المدنية" لجان لوك (1690) وكتاب "روح القوانين" لمونتسكيو (1748) وكتاب "العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو (1762).
وتُرتب علينا عراقة الممارسة الانتخابية والشوروية في تاريخنا مسؤولية مضاعفة في أداء وظائفنا التمثيلية على أحسن وجه.
إنها في حقنا وفي حق غيرنا، نظم وممارسات تواضعية، تكاد تستوي فيها الشعوب والأمم بغض النظر عن تصنيفها الديني والثقافي، ونحن في هذا المستوى نتقاسم مع غيرنا نصيبا مفروضا من "قيم إنسانية" جامعة، لكننا ننفرد بأمور يفترض أن تمنحنا مستوى أعلى من الدافعية والفاعلية والقدرة على التأثير.
ننفرد على مستوى الأمة الإسلامية بأن لنا مرجعية ربانية في منظوماتنا التمثيلية (على اختلاف أشكالها وأسمائها) وفي وظائفها وممارساتها، فالنائب المسلم (أيا كانت تسميته الوظيفية) شأنه في ذلك شأن سائر نظرائه في العالم، وكيل عن أبناء وطنه، مسؤول أمامهم، أجير لديهم، لكنه، أو هكذا ينبغي أن يكون، مسؤول مسؤولية أسمى أمام خالقه، متعبد له بأداء وظيفته النيابية، مقتدٍ في ذلك بالنبي عليه الصلاة والسلام والرعيل الأول من قادة الأمة ومستشاريهم وأعضاء مجالس الحل والعقد. إنه يمارس وظيفة سياسية مدنية من ناحية، لكنه من ناحية أخرى، وفي الوقت ذاته، يؤدي وظيفة عبادية يخشى عاقبة التقصير فيها، ويرجو في حسن أدائها الأجر من اللـه.
أما وجه الخصوصية الآخر، فهو أن نواب الأمة في مجموعهم، ممثلين في إطار جامع، هو اتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، يمثلون "قوة ضاربة" معنويا، بل وكميا وسياسيا، لأنهم يحملون أصوات ربع سكان الأرض، ولأن هذه المجموعة البشرية التي يمثلونها تهيمن على فضاء جغرافي تبلغ مساحته الإجمالية نحو ربع اليابسة أيضا. والأهم من ذلك أن العالم الإسلامي يتوسط ثلاث قارات، هي آسيا وأفريقيا وأوروبا؛ وللإسلام مع ذلك حضور بشري متنامٍ في بقية القارات. وفي موقعه الاستراتيجي ذلك، يطل العالم الإسلامي على المحيط الأطلسي، والمحيط الهادئ، والمحيط الهندي، والبحر الأبيض المتوسط ، وتسري فيه شرايين مائية استراتيجية مثل الخليج وقناة السويس ومضيق باب المندب ومضيق جبل طارق ومضيق هرمز. وهناك 6 دول إسلامية من بين العشرين دولة الأكبر مساحة. وهناك 8 دول إسلامية ضمن العشرين دولة الأكثر سكانا. وهناك 3 دول إسلامية ضمن 29 دولة هي أكبر اقتصاديات العالم. و11 دولة إسلامية ضمن العشرين دولة الأولى في إنتاج النفط، و12 دولة ضمن العشرين الأوائل في إنتاج الغاز، و8 دول ضمن العشرين الأكثر إنتاجا للذهب. وحتى في جانب القوة العسكرية، هناك 7 دول إسلامية ضمن الدول ال26 الأولى في مؤشر القوة العسكرية، منها 5 دول إسلامية تتفوق وفق هذا المؤشر على الدولة الصهيونية.
وبمؤشر آخر، يشكل اتحاد المجالس الإسلامية، واقعيا، ثاني تكتل برلماني، بعد الاتحاد البرلماني الدولي.
وباجتماع هذه السمات (المرجعية الربانية، العقد الاجتماعي والتنظيم المدني الحديث، القيم الإنسانية الجامعة، الثقل الكمي والنوعي والخصائص الفارقة للأمة الإسلامية) يتأكد أن لدى ممثلي شعوب الأمة أوراق قوة نستطيع بحسن استغلالها أن نمتلك قدرا كبيرا من القدرة على الإصلاح من شأننا، وعلى التأثير في محيطنا البشري الواسع؛ فهل من سبيل إلى ذلك؟
من المؤكد أن مثل هذا السؤال ينبغي أن يطرح أولا، وبشكل أخص، على الجهات التنفيذية، صانعة القرار السياسي، لكنه أيضا سؤال مطروح على الغرف التشريعية (البرلمانية) ومجالس الشورى ونحوها، حتى في الأنظمة غير البرلمانية، وذلك في حدود ما تتمتع به هذه الغرف والمجالس من أهلية لتمثيل الشعوب، بل ولتمثيل الأمة.
لقد شهد العالم في السنين الخالية تغيرات كبيرة، وهو مهيأ ليشهد مزيدا من التحولات التي قد تكون عاصفة. وقد ساهم طوفان الأقصى الذي أطلقته المقاومة، وما تبعه من طوفان دم ودمار أطلقته آلة الحرب الصهيونية، في إحداث تغير كبير في الرأي العام العالمي، وخصوصا في الغرب. وكان حراك الرأي العام الغربي مؤثرا في المشهد السياسي الحكومي بحيث دفع عددا من الدول إلى الاعتراف بدولة فلسطين، وصدعت أصوات برلمانية وسياسية غربية بحق الشعب الفلسطيني في الحياة، وانطلقت القوافل البحرية من عدة دول غربية مناصرة لقضيتنا، وكان انتخاب أول عمدة مسلم لمدينة نيويورك (سنوات بعد انتخاب أول عمدة مسلم لمدينة لندن) وصعود نحو 40 مسلما في انتخابات نوفمبر 2025 في الولايات المتحدة الآمريكية ملمحا من ملامح هذه التغيرات الجديدة وبذلك أصبح بإمكاننا أن نستثمر ورقة إضافية من أوراق القوة الخارجية أتاحتها لنا يقظة الضمير العالمي غير المسبوقة. وأصبح من المتعين استثمار هذه الورقة في تفعيل وتحسين مردود أوراق القوة الذاتية الأخرى التي نملكها.
إن باستطاعة المجالس التمثيلية منفردة، على مستوى كل بلد من بلدان الأمة، أن تمارس وظيفتها متخففة من كثير من الإكراهات التي تقيد الأجهزة التنفيذية، فللحكومات منطقها وحساباتها، ومن المهم أن تجد بجانبها أجهزة تشريعية أو مجالس شورى تستصحب منطق الشعوب في نقائه وصفائه، ليكون ذلك عونا على إحداث حالة من التوازن، بل ولمساعدة الحكومات بالتخفيف عليها من وطأة الإكراهات (الخارجية عادة) التي تدفعها أحيانا للانزياح عن "منطق الشارع" ونبضه. إن علينا أن نسعى لإحداث هذا التحول من الداخل، ليس ضرورة بمنطق المعارضة المفضي عادة إلى المغالبة والمغاضبة، ولكن بمنطق المناصحة الذي لا غش فيه ولا حيف. لقد وضعتنا الطبعة المستنسخة من الديمقراطية المعاصرة في قفص ثنائيات حدية تجعلنا غالبا نعتقد أنه لا طريق غيرها لممارسة الفعل السياسي: إما المعارضة التي ترى كل ما تراه بنظارات سوداء، فلا ترى فيه إلا الأسود القاتم أو الشر المطلق، وإما الموالاة التي تنظر إلى كل ما تراه من فعل حكومي بنظارات زهرية اللون. فلا ترى فيه إلا الخير المطلق. والحال أن الطبعة الأصيلة من المنظومة التمثيلية/ الشوروية في تاريخنا وثقافتنا تمنحنا نظارات أخرى، نمتلك بها القدرة على فرز الألوان. وقد يكون حمل هذا النوع من النظارات صعبا لمن لم يتعود عليه، لكننا نستطيع بقليل من الجهد والصبر أن نعتاد عليه وأن نُفْهِمَ من حولنا أن النظر به أفضل من النظر بما سواه، وأننا بمثل هذه النظارات نؤدي وظيفتنا بأمانة أفضل وبمنسوب مسؤولية أعلى وأن ذلك خير وأبقى لأصحاب القرار السياسي.
ذلك على المستوى الخاص بكل غرفة أو مجلس، بل وبكل ممثل للشعب. أما على المستوى الجماعي العابر للحدود، فإن باستطاعة المجالس التمثيلية مجتمعة أن تحقق نجاحا أكبر في خدمة الأمة ومناصرة قضاياها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وقضايا الأقليات المسلمة، وأن تعتمد مقاربات أكثر نجاعة في مكافحة ظاهرة الإسلاموفوبيا، ودرء الشبهات التي تثار حول الدين الحنيف، وردع قوى الاستهتار والاستهزاء بالمقدسات.
إن مجالسنا مجتمعة، من خلال اتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، وبالتضامن بينها، وباستثمار عوامل القوة الذاتية والموضوعية، الداخلية والخارجية التي أشرنا إلى بعضها، ستكون قادرة على أن تُسْمِع صوت الأمة وتفرض حرمتها، وتساهم في انتزاع حقوقها، بقوة الإقناع في الحوار مع التكتلات البرلمانية الإقليمية والدولية الأخرى، ومع المجالس البرلمانية في الدول الكبرى المهيمنة، بل ومع القوى المجتمعية صانعة الرأي ومالكة القرار ولو جزئيا، من منظمات وهيئات فاعلة سياسيا وإعلاميا واقتصاديا وثقافيا.
ولئن كان علينا أن نوظف في حوارنا مع الآخرين، وخصوصا في الغرب، القيم المرجعية المشتركة والحقائق التاريخية والشواهد الواقعية المعيشة، فإن من واجبنا ومن حقنا كذلك أن نوظف في هذا الحوار منطق المصلحة البحتة، المصلحة المشتركة، لنُفهِمَ الآخرين أن مصالحهم لدى أمة الملياري نسمة، بكل ما تملك من مزايا وخصوصيات، ومن موارد ومقدرات، أكبر وأكثر بكثير من مصالحهم لدى أي بلد آخر مهما كانت قوته، أحرى لدى النظام الصهيوني الذي أثبت في نشأته وعبر تاريخه وفي ممارساته الحاضرة أنه نقيض ليس فقط للأمة المحمدية، ولكن أيضا للبشرية، لأنه نقيض لكل القيم الإنسانية الجامعة.
وعموما، فإن مجالسنا مجتمعة مدعوة اليوم بلسان حال الواقع المُمِضِّ والفرص السانحة إلى أن تكون من صناع التحول في المسار العالمي، وأن تدفع بدول الأمة إلى أن تنتقل من دائرة الانفعال والتأثر المحض إلى دائرة الفعل والتأثير، لتصون وجودها وكرامتها، ولتسهم في بناء نظام عالمي جديد أكثر عدلا وإنصافا، من النظام الذي أثخن جسد الأمة جراحا في الماضي البعيد والقريب، ويوشك أن يثخن فيه أكثر إن نحن بقينا مُخَلَّفِين عن الركب، عاكفين على عِجْلِ التجزئة والاستضعاف، لا قدر اللـه.